سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري

253

الأنساب

غيرنا ، خبرا عظيما ، وخطبا جسيما ، فيه شرف الحياة ، وفضيلة الوفاة للناس عامّة ، ولرهطك كافة ، ولك أنت خاصّة . قال عبد المطلب : أيّها الملك ، مثلك من سرّ وبرّ ، فما هو ؟ فداؤك أهل الوبر والمدر ، زمرا بعد زمر . قال : إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة كانت له الإمامة ، ولكم به الزّعامة ، إلى يوم القيامة . فقال له عبد المطّلب : أبيت اللّعن ، لقد أبت بخير ما آب بمثله وافد قوم ، ولولا هيبة الملك وإعظامه وإجلاله لسألته من سرّه إيّاي ما أزداد به سرورا . قال ابن ذي يزن : هذا حينه الذي يولد فيه ، وقد ولد واسمه محمّد صلّى الله عليه وسلم ، يموت أبوه وأمّه ، ويكفله جدّه وعمّه ، قد وجدناه مرارا ، واللّه باعثه جهارا ، وجاعل له منّا أنصارا ، يعزّ بهم أولياءه ، ويذلّ بهم أعداءه ، يرمي بهم الناس عن عرض ، ويستبيح بهم كرائم الأرض ، يكسر الأوثان ، ويعبد الرحمن ، ويخمد النيران ، ويدحر الشيطان ، قوله فصل ، وحكمه عدل ، يأمر بالمعروف ويفعله ، وينهى عن المنكر ويبطله . قال له عبد المطّلب : أيّها الملك عزّ جدّك ، وعلا كعبك ، وطال عمرك ، فإن رأى الملك أن يخبرني من سارّني إيّاه بإفصاح ، فقد وضّح لي بعض الإيضاح . قال ابن ذي يزن : والبيت ذي الحجب ، والعلامات على النّصب ، إنّك يا بن عبد المطّلب ، جدّه غير الكذب . قال : فخرّ عبد المطّلب ساجدا . فقال له : ارفع رأسك ، ثلج صدرك ، وعلا كعبك ، فهل أحسست بشيء ممّا ذكرت لك ؟ قال عبد المطّلب : نعم ، أيّها الملك ، كان لي ابن ، وكنت به معجبا ، وعليه شفيقا ، فزوّجته كريمة من كرائم قومي ، آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة ، فجاءت بغلام ، فسمّيته محمدا ، مات أبوه ، وهو يتيم ، بين كتفيه شامة ، وفيه كلّ ما ذكرت من علامة . قال ابن ذي يزن : إنّ الذي قلت لك كما قلت ، فاحتفظ بابنك ، واحذر عليه اليهود ، فهم أعداؤه ، ولن يجعل اللّه لهم عليه سبيلا ، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرّهط الذين معك ، فإنّي لست آمن أن تدخلهم النّفاسة ، من أن تكون له الرّئاسة ، فيبغون له الغوائل ، وينصبون له الحبائل ، وهم فاعلون وأبناؤهم ، ولولا أني أعلم أنّ الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار ملكه ، فإني أجده في الكتاب الناطق ، والعلم السابق ، أنّ بيثرب استحكام أمره ، وأهل نصره ، وموضع قبره ، ولولا أنّي أقيه الآفات ، وأحذر عليه العاهات ، لأوطأت رقاب العرب كعبه ، ولأعليت على حداثة سنّه ذكره ، ولكنّي صارف ذلك إليك ، من غير تقصير بمن معك . ثم أمر لكلّ واحد منهم بمائة من الإبل ، وعشرة أعبد ، وعشر إماء ، وعشرة أرطال ذهب ، وعشرة أرطال فضة ، وكرش مملوءة عنبرا ، وأمر لعبد المطّلب بعشرة أضعاف